القاضي عبد الجبار الهمذاني
54
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وربما تعلقوا في ذلك بالحكمين « 1 » وأنه تعالى أمر بنصبهما عند الشقاق والخلاف ، وأن تجويز ذلك يغنى عن الحاكم ، وما أغنى عنه أغنى من الإمام . وهذا لا يصح ؛ لأن ذلك إنما يجوز عند عدم الحاكم على سبيل الضرورة أو في الأمور التي يصح فيها طريقة التراضي ؛ فإذا جاز تعلقه بتراضيهما جاز أن يتعلق تراضيهما بنقل الغير فيكون حكما . فأما إقامة الحدود وتنفيذ كثير من الأحكام فلا يصح إلا من إمام ، فكيف يصح ما ذكروه ؟ وربما تعلقوا في ذلك بأن من يصلح للإمامة لو تعذر لكانت الأمة تقوم بذلك ، وهذا يغنى عن الإمام ، وإن لم يتعذر فهذا لا يصح ؛ لأن العذر يسقط وجوب الشيء ولا يدل ذلك على نفى وجوبه مع السلامة ، وسنبين القول في ذلك من بعد . وربما تعلقوا في ذلك بوجوب الغزو على طريق المدافعة وغيرها ، على سائر الناس ، وزعموا أن ذلك يغنى عن الإمام ، وغير ذلك ، وهذا لا يصح ؛ لأنا قد بينا فيما تقدم في « باب الأمر بالمعروف » أن ذلك مخالف لما يتولاه الإمام ، فلا يجب في صحة قيام غيره به الغنى عن الإمام ، ولو صح ما قالوه لكان إنما يجوز عند العذر ، ولا يوجب ذلك خروج إقامة الإمام من أن تكون واجبة ، والرجوع إليه في الجهاد وغيره ، إذا كان ممكنا . وهذا « 2 » جملة قد يثبت طريقة الكلام في هذا الباب . ونحن نبين شبه من يقول بوجوب الإمامة عقلا ، ثم نتكلم في سائر ما يتصل بالإمامة ؛ لأن التفريع الّذي يجب بيانه مبنى على أن الإمامة شرعية ؛ فلا بد من إبطال شبههم التي يزعمون لأجلها أنها عقلية .
--> ( 1 ) يشير المؤلف إلى قوله تعالى « وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما » الآية . ( 2 ) كذا في الأصل .